recent
أخبار ساخنة

موضوع مفصل حول رقمنة الإدارة القضائية ( الإدارة الإلكترونية)

الحجم


رقمنة الإدارة القضائية ( الإدارة الإلكترونية)

رقمنة الإدارة القضائية ( الإدارة الإلكترونية)


مقدمة

لقد فرضت الصيغة الإلكترونية نفسها على الساحة العلمية والمهنية والمرفقية العامة، بل تشير مؤشرات تطور جائحة كوفيد 19 إلى أن هذه الصيغة ستستقر لا محالة سواء في مجال نشر العلم والمعرفة أو مجال ممارسة العمل بالقطاع العام، مما يدعو للتفكير بجدية فائقة في تطوير آليات التواصل اللامادي dématerialisation des procedures، وتبادل المعلومة والمعرفة عن بعد، بل وإسداء الخدمة العامة بكافة أنواعها بما في ذلك فض المنازعات القضائية.


لقد أتاحت التكنولوجيا وسائل هائلة وإمكانات واعدة، كان التعامل معها وحتی حدود اندلاع جائحة كوفيد (ماي 2020) تعاملا اختياريا - إلى حد ما - بالقطاع العام والخاص - انبني الأول أي القطاع العام على ضرورة إصلاح وتحديث الإدارة والتحكم في الفساد المالي والمحسوبية من منطلق التخليق ومسايرة التطورات الدولية في إطار التعاون الدولي (الإدارة الإلكترونية)

- وانبني الثاني أي القطاع الخاص على كسب رهان التنافس في عصر الثورة الصناعية الرابعة، عصر المنصفات الإلكترونية، والبيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات وإنترنت الأشياء 55 كل ذاك كان قد أصبح منذ زمن قوة دافعة للقرار الحكومي في المجال الاقتصادي أساسا لجذب رؤوس المال الاستثمارية، ولكسب ترتیب متقدم في مؤشر الابتكار ومناخ الأعمال دوليا.

من هذا المنطلق، بدأت الحكومة المغربية في إرساء التطوير المعلوماتي بالمحاكم التجارية منذ 1996 (أي منذ صدور مدونة التجارة) 56 من خلال برنامج میدا لسنة 2004 بين المغرب والاتحاد الأوربي في إطار الشراكة الجديدة الأورومتوسطية، وفي شقة الخاص بالمغرب والذي أعطى الأولوية لتحديث المحاكم التجارية والإدارة بوزارة العدل .

بانتهاء إنفاذ برنامج میدا، طرح الإصلاح الإداري نفسه منذ2005 ليدور حول تبسيط المساطر، إحداث مواقع ويب للوزارات والبوابات الإلكترونية بوابة وزارة العدل المسماة عدالة، حيث ألحق إصلاح الإدارة كقطاع ضمن وزارة الاقتصاد والمالية.

 وعاني الإصلاح الإداري من تعثر مزمن خاصة بسبب عدم تحديد الأهداف، وضرورة الترحيل من الورقي إلى الرقمي، حيث تبين عسر هذا المخاض، إلى أن اجتمع الرأي على وضع الاستراتيجية المجتمع المعلومات والاقتصاد الرقمي 2009-592013 رامت من جهة إلى إحداث الهيئات القيادية المخصصة لبرنامج الحكومة الإلكترونية، ومن جهة أخرى إلى تسريع وتيرة إنجاز الخدمات العمومية الموجهة للمتعاملين مع الإدارة، كما وضعت حکامة خاصة بالرأسمال البشري، وإعداد مخططات للتكوين تستجيب لحاجيات قطاع تكنولوجيات المعلومات، وتطوير عروض البرامج من أجل استخدام أفضل للحاصلين على شهادات في تكنولوجيا المعلومات.

أما الإستراتيجية الرقمية الجديدة ليونيو 2016-602020، فاستهدفت تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:

تسريع التحول الرقمي للاقتصاد الوطني،

تقوية مكانة المغرب كقطب رقمي جهوي،

- وإزاحة العوائق البنيوية وبالخصوص المتعلقة بالحكامة والمؤهلات البشرية.

وإنه لمن حسن الطالع، أن تتزامن ظروف الجائحة الصحية مع تطور مؤسساتي قضائي وتشریعي دقيق لقطاع العدل ببلادنا، ونقصد تنزيل السلطة القضائية المستقلة.

وأما ما يعد من سوء الطالع، فهو استمرار تغييب الخصوصية والحاجة الملحة للنهوض بهيئة كتابة الضبط جذريا، وليس فقط من خلال بت الحواسيب والبرمجيات بالمحاكم في صيغتها الرقمية البسيطة.

وقد كان من أولى التمظهرات التي خلقها استعمال التكنولوجيا في قطاع العدل هو " العمل عن بعد" أو استعمال التقنية الحديثة الإجراء المحاكمة، حيث ينعدم الحيز المكاني ليلتقي الأطراف عبر vidéo conference أو المحادثة المسموعة والمرئية بين الهيئة القضائية وأحد أطراف الدعوى ضمانا للتواصل المباشر، إذ غیبت هذه المرحلة كاتب الضبط في تركيز شديد على حاجيات المتهم من شروط للمحاكمة العادلة.

ونظرا لأهمية هذا المدخل - التحديث القضاء " - ولا نقول الإدارة القضائية ولطول الفترة الزمنية التي لم يتعامل فيها المنتظم الدولي والتشريعات المقارنة مع تطوير الإدارة القضائية معلوماتيا لتسير على رجليها في آن واحد، ولذلك أمكن القول أن هذا التأخر وآثاره السلبية على هيئة كتابة الضبط يترجم استراتيجية عرجاء لتطوير الإدارة القضائية، وهو ما سنحاول إثباته في القسم الأول من هذا البحث.

ويزيد من حدة هذا المعطى، وعدم التمكن من التغلب عليه، أن هيئة موظفي المحاكم نفسها لازالت تنظر للإصلاح من الخارج، وتنتظر إسقاطات إصلاح القضاء عليها، بدون تفاعل جاد وجذري ينطلق من داخل الهيئة بآليات تنظيمها واصطفافها النقابي والمهني، وهو ما نتناوله في القسم الثاني من هذا البحث فرصعه إن شاء الله برؤية مشروع مستقبلي للهيئة في تعاون بين الدولة والقائمين عليها. القسم الأول: ولوج لتكنولوجيا المعلوميات متأخر زمنيا ومنحصر موضوعيا ومغيب للإدارة القضائية وانعكاس ذلك على هيئة كتابة الضبط بالمحاكم. القسم الثاني: الأدوار الجديدة لكتابة ضبط المحاكم على ضوء القوانين الإلكترونية والتزامات الدولة في مجال التكوين.

القسم الأول: ولوج التكنولوجيا المعلوميات متأخر زمنيا ومنحصر موضوعيا ومغيب للإدارة القضائية وانعكاس هيئة كتابة الضبط بالمحاكم.

عالجت المواثيق الدولية استعمال تقنية المحاكمة عن بعد إما:

- للتصدي للجرائم، - أو دعما للتعاون الدولي ونذكر في هذا السياق:

أ) نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في 1998 في مادته 2/69 التي سمحت بالإدلاء بالإفادة الشفوية أو المسجلة بواسطة تكنولوجيا العرض المرئي أو السمعي؛

ب) المادة 18 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000، حيث تحدثت عن جلسة الاستماع شاهد أو خبیر) عن طريق الفيديو .

ج) المادة 46 الفقرة 18 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لسنة 2003 وتحدثت كذلك عن جلسة الاستماع (شاهد أو خبیر) بواسطة الفيديو؛

د) الاتفاقية الأوروبية للمساعدة القضائية في المادة الجنائية، من خلال بروتوكولها الثاني الموقع في 8 نوفمبر 2001 والنافذ في 1 فبراير 2004، والذي استهدف الاستفادة من الوسائل التكنولوجية الحديثة في البحث الجنائي، وتعرضت المادتان 9 و10 التوضيح كيفية استعمال هاته التقنية المتمثلة في الفيديو 61.

ه) المادة 36 من الاتفاقية العربية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية لسنة 2010 وأتاحت سماع الشهادة عبر التقنيات التكنولوجية الحديثة .

تؤكد هاته التواريخ أن الأداة المعلوماتية دخلت المجال القضائي متأخرة أي في الألفية الجديدة باستثناء نظام روما، كما تؤكد ضيق منفذها ومجالها، والمتمثل في المحاكمة عن بعد، أي المجال الجنائي وحده، يجد ذلك مبرره في تركيز ثقافة حقوق الإنسان الدولية على أسس ومبادئ المحاكمة العادلة فقط، دون أي بعد الإصلاح الإدارة القضائية، وقد انعكس - سواء التأخر الزمني، أو ضيق أفق التحديث حتى على القوانين المقارنة، لينعدم في القانون المغربي.

أولا: المحاكمة عن بعد في الأنظمة المقارنة، أي دور للإدارة القضائية

1- نص القانون رقم 5 لسنة 622017 متعلق باستخدام تقنية الاتصال عن بعد بدولة الإمارات، عن هذا الاستعمال في الإجراءات الجنائية، حيث عرفت المادة الأولى (1) الإجراءات الجنائية عن بعد بأنها تتمثل في استقصاء الجرائم وجمع الأدلة أو التحقيق، أو المحاكمة التي تتم عبر تقنية الاتصال عن بعد، وقررت المادة السادسة (6) حق المتهم في أول جلسة - في إطار محاكمته عبر تقنية الاتصال عن بعد في أي درجة من درجات التقاضي- أن يطلب حضوره شخصيا للمحكمة التي لها أن تقبل أو ترفض ذلك؛ وللمحامي أن يحضر مع المتهم عبر الاتصال عن بعد بالتنسيق مع المحكمة في إطار حماية حقوق الدفاع طبقا للمادة السابعة (المادة 7).

أما المادة الثامنة فتنص على أن "تسجل وتحفظ الإجراءات عن بعد إلكترونيا، ولها صفة السرية، لا تتداول ولا يطلع عليها ولا تنسخ عبر نظام المعلوميات إلا بإذن النيابة العامة أو المحكمة المختصة بحسب الأحوال".

ويتضح من هذه المقتضيات أن عمل موظفي المحاكم يكون حلقة ورابطا أساسيا في هذا المضمار، مما يفترض في هؤلاء تكوينا معلوماتيا عالي التقنية ليتمكنوا من حفظ وتسجيل الإجراءات وحمايتها من القرصنة، حيث أن النظام الإلكتروني يتضمن مکتب تحضير الدعوى (وهو عن عمل كاتب الضبط)، إذ تعمل هاته الآلية بإرسال رابط إلكتروني على البريد الإلكتروني للشخص المعني، الهدف ضبط اسم صاحب الحساب على برنامج المحدثات المرئية مثلا "اسکایب"، فيقوم المتعامل بقبول الرابط الإلكتروني، فتشرع المحكمة أو الهيئة في التأكد من صفته في الدعوى "وكيل – مدعي - مدعي عليه - وتتواصل باقي الإجراءات المتبعة في تحضير الدعوى.

2- ويمكن أن نسوق كذلك مثال للقانون رقم 03-15 الجزائري المؤرخ في 1 فبراير 2015 متعلق بعصرنة العدالة 63 حيث أقر استخدام تقنية المحادثة عن بعد في الإجراءات القضائية كالتحقيق، سماع الشهود والأطراف المدنية والخبراء أو المواجهة بين الأطراف المتنازعة، أو تلقي تصريحات المتهمين من داخل السجن وفق الشروط القانونية مع مراعاة مبادئ المحاكمة الجنائية العادلة.

وقد خص "الاستماع للشهود عبر المحادثة المرئية عن بعد بالمرسوم عدد 15-02 بتاريخ 23 يوليوز 2015 معدل ومتمم لقانون الإجراءات الجنائية والذي أضاف لهذا الأخير فصلا سادسا بعنوان "حماية الشهود والخبراء والضحايا" أجاز هذا الأمر استعمال المحادثة المرئية مع کتمان الهوية من خلال حجب الصورة وإخفاء بصمة الصوت.

ويمكن القول أن هاته القوانين جاءت في الحالة العادية. مقارنة بالحالة الاستثنائية لجائحة كوفيد 19 - ولذلك استعمل المشرع نوعا من التدرج بأن جعل اللجوء لهاته التقنية اختياريا ليبقى الأصل هو المحاكمة العادية والحضور الفعلي، ولم يسمح بهاته التقنية إلا في الجنح بعد موافقة المتهم والنيابة العامة.

ينتج عن ذلك القول بأن الموظف بالمحكمة عليه أن يتقن المزاوجة بين عمله المكتبي الورقي اليومي والمعتاد، وأن يحضر نفسه دائما للعمل بالمعلوميات في كل لحظة.

لكن وحيث أن الحالة الاستثنائية للجائحة تنبني على الحد من العدوى وانتشارها، فإن هذا الهدف يتصدر كل ميزات التقاضي عن بعد الأخرى، المتمثلة في نجاعة البت ربح الوقت والجهد وتفادي مخاطر التنقل ترشيد النفقة القضائية بتيسير عمل كل مساعدي القضاء (تفادي تنقل الخبير مثلا)، بمعنى أن الظرف قد يجبر كاتب الخيط / المحرر/ المنتدب على العمل طوال الوقت عبر تقنية المعلوميات والتي ينبغي أن يتقنها بشكل جيد.

3- ويكون من المفيد الاطلاع على تجارب الدول متقدمة في هذا الباب کھولندا التي تتيح ولوج رقمي بنظام غاية في التطور بمحاكمها، حيث يعود استخدام video conference في المحاكمة إلى مرسوم 8 ماي 2006، وذلك بعد موافقة المتهم أو دفاعه في قضاء التحقيق كما في جلسات المحاكمة.

4 وقد تبنى المشرع الفرنسي كذلك المحاكمة عن بعد في المجال الجنائي (المادة 71-706 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسية معدل في مارس 2019 بالقانون رقم (222-2019) 64 حيث أعطى الخيار في ذلك للقاضي المكلف بالمسطرة أو رئيس الهيئة المختصة في اللجوء الوسائل التواصل السمعي البصري إذا اقتضته ضرورة البحث أو التحقيق، سواء فيما تعلق بالاستماع، الاستنطاق، المواجهة، مع ضمان الوسائل المستعملة لسرية الإرسال، ويدخل هنا أيضا إجراء تمديد الحراسة النظرية أو الاحتفاظ القضائي.

فإذا كان المبدأ في الاستعمال لتقنية السمعي البصري هو الاختيارية في الأحوال العادية، فكيف تعاملت التشريعات مع ظرف جائحة كوفيد والحجر الصحي الذي حاصر العدالة كما حاصر كل القطاعات؟ مع تسطير خصوصية الخدمة القضائية كمرفق عمومي حساس يبلغ فيه مؤشر مبدأ استمرارية المرفق العام ذروته لتعلقه بالحقوق والحريات؟.

1. في فرنسا: صدر القرار رقم 303-2020 بتاريخ 25 مارس 202065 واستهدف: ملاءمة قانون المسطرة الجنائية مع القانون 290۔ 2020 متعلق بحالة الطوارئ لمواجهة وباء کوفید 19 والصادر في 23 مارس 2020، حيث نصت المادة 5 من القرار على تعميم تقنية -video conference بعد أن كانت إجراء استثنائيا في حالات بعينها حددها الفصل 71-706 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي، أي أن استعمال التقنية المشار إليها أصبح أصلا بعد أن كان استثناء، ماهي النتائج المترتبة على ذلك؟

- امتنع على الأطراف الاعتراض على الاستعمال.. - جاز للقضاة استعمال أية وسيلة معلوماتية أخرى إذا تعذر (الفيديو كونفرانس) بما في ذلك الهاتف. ينجز كاتب الضبط محضرا بالإجراءات المنفذة التي يتحقق منها القاضي في أي وقت شاء، ويقصد به محضر على دعامة إلكترونية. |

2. في هولندا: أصبح استعمال (الفيديو كونفرانس) معمما كذلك في جميع الإجراءات الجنائية" بصدور مرسوم 20-03-2020 متعلق باستخدام التقنية المذكورة، وكان المرسوم المعدل الصادر في 8 ماي 2006 يستثني:

- القاصرين.

- المتهمين المصابين بأمراض عقلية - الجرائم الخطيرة

- الحالات التي تقرر فيها الضحية ممارسة حق الحضور للمحكمة

وأبقى المرسوم الجديد للقاضي على سلطة تقديرية كاملة في التجاوب مع اعتراضات الأطراف.

ويستنتج من كل ذلك أن موظفي كتابة الضبظ بالمحاكم أصبحوا مطالبين بتكوين معلوماتي في مجال التقنية فضلا عن التكوين القانوني وهو تكوين يروم:

- القيام بالعمل الإجرائي الإلكتروني على أكمل وجه.

مساعدة القضاء على ملأ الشروط القانونية للمحاكمة العادلة وضمان حقوق الدفاع إلكترونيا .

- مراعاة عدم السقوط في أي خطأ لأن المحكمة تبسط رقابتها على الجوانب التقنية والمعيقات التقنية وتتأكد من تمكن المتهم من التواصل مع المحكمة والمحامي فعليا وبدون أي انقطاع.

وينذر ذلك كله بإدراج الأخطاء المرفقية المعلوماتية الجديدة التي ترتب المسؤولية الإدارية لكتاب الضبط على الخصوص نظرا لتعلق عملهم بالحقوق والحريات الإنسانية.

ثانيا: المحاكمة عن بعد في القانون والقضاء المغربي



التالي
تعديل
موضوع مفصل حول رقمنة الإدارة القضائية ( الإدارة الإلكترونية)
الفكر

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent